الذكرى 61 لإندلاع معركة بنزرت

في مثل هذا اليوم 19 جويلية من سنة : 1961- اندلاع أحداث بنزرت، وهي مواجهات مسلحة دارت بين القوات الفرنسية المرابطة قرب مدينة بنزرت والجيش التونسي تسانده أعداد هائلة من المتطوعين.
– في الوقت الذي كان ينتظر فيه التونسيون من فرنسا أن تلتزم بجدول انسحابها من بنزرت، كانت هذه الاخيرة تماطل في الحديث عن أي عملية انسحاب من الأراضي التونسية. وعلى الميدان كانت فرنسا تعزز حضورها على المستويين المدني والعسكري.
– على المستوى المدني، عمدت السلطات الفرنسية الى مزيد تطوير البنية الأساسية، ببناء مراكز للبريد بالمدينة، وفضاءات تجارية جديدة للجالية الفرنسية. وهو ما كان يوحي بأن فرنسا لا تريد الخروج إطلاقا، وهو انطباع ومؤشر التقطته القيادة السياسية في تونس لتضيفه الى السكوت الفرنسي عن أي حديث عن الانسحاب.
– على المستوى العسكري، ما وجب التأكيد عليه أولا، أن بنزرت وبعد 20 مارس 1956، ظلّت تحت الرقابة الاستعمارية، بوجود قاعدة عسكرية بثكنات متعددة. فمن “منزل جميل” إلى “منزل بورقيبة” و”الماتلين”، يخيّل للزائر أن الأمر يتعلق بمقاطعة فرنسية قلبا وقالبا، فالحضور العسكري خارج الثكنات، والأعلام الفرنسية، وصعود وهبوط الطائرات العسكرية، كلّها مشاهد كانت تغذي الانطباع بأن الحضور الفرنسي لا يزال قويّا.
– وإمعانا في تمتين حضورها العسكري في المدينة، عمدت فرنسا في داخل ثكنة «سيدي أحمد» الى اجراء اشغال لتوسعة المطار العسكري، وإضافة مساحة جديدة بعرض مترين على طول 200 متر. كما عمدت الى تحريك الحواجز الحديدية المركّزة على الحدود الخارجية للثكنة، لإجراء التوسعة اللازمة، خصوصا وأنها كانت تنوي ادخال طائرات من نوع «سوبر سونيك» للخدمة بدل طائرات «الميسترال».
– وفي أوّل تصدّ لهذه العملية قامت قوات الحرس الوطني التونسي، بإعادة الأسلاك إلى مكانها الأصلي يوم 30 جوان 1961.
– وفي اليوم الموالي، أي يوم 1جويلية 1961، احتج القائم بالأعمال الفرنسي لدى الحكومة التونسية في مقابلة مع الباهي الادغم والصادق المقدم، وأخبرهما ان القيادة العسكرية الفرنسية ببنزرت تمهل الحكومة التونسية 48 ساعة لإيقاف التصدّي لهذه الأشغال، وإلا فإنها ستكون مضطرّة لاستعمال القوّة. هكذا كان هذا الانذار تحدّيا وإنكارا للاتفاق بين البلدين، الذي يقتضي الاحتفاظ ببنزرت لفترة من الزمن بحدودها المرسومة يوم 17 جوان 1958.
– وانطلاقا من يوم 4 جويلية 1961، تاريخ اجتماع المكتب السياسي للحزب، بدأت عمليات التعبئة العامة، وبدأت الاجتماعات في الجهات، وفي الاتحادات الجهوية للشغل، وفي كل مكان، وأعلن اندلاع الكفاح الوطني.
– لقد كان وزن بنزرت في ذهن فرنسا يساوى ذهبا، فبنزرت ليست مجرد مدينة، إنها الموقع الوحيد الذي يشرف على ضفة المتوسط الجنوبية بشقيها الغربي والشرقي، من جبل طارق إلى جنوب إيطاليا وشمال مصر. وهي ببحيرتها تساوي وطنا بأكمله، ففي ذهن «ديغول» وسائر القادة العسكريين الفرنسيين، فإن بحيرة بنزرت التي قال عنها «جول فيري» -مُنظّر السياسة الاستعمارية الفرنسية- «إنها تساوي تونس بأسرها» لا يمكن التفريط فيها بسهولة.
– بالإضافة إلى كل ما سبق، كشف شريط وثائقي نشر مؤخرا، والصادر عن الأرشيف السمعي البصري في فرنسا، تفاصيل حول أهمية قاعدة بنزرت العسكرية، حيث ظهر في هذا الوثائقي الأميرال “موريس آمون”، قائد القاعدة العسكرية آنذاك، والذي تحدث عن الأهمية الإستراتيجية للقاعدة، نظرًا لموقعها في قلب البحر الأبيض المتوسط، وفي أقصى شمال إفريقيا، ما يعني أن كل مسالك العبور تمرّ من أمامها.
– غير أنّ أهمّ ما ورد في الوثائقي هو الحديث عن إعداد فرنسا لقاعدة بنزرت كي تكون “واحدة من القواعد القليلة في العالم القادرة على لعب دور في حال اندلاع حرب ذرية، في إطار الحرب الباردة بين”الحلف الأطلسي” الذي تتزعمه الولايات المتحدة، و”حلف فرسوفيا” بزعامة الاتحاد السوفياتي، الذي تكوّن سنة 1955. كما أضاف، أن القاعدة تكتسب أهميتها من خلال ما احتوته من أجهزة اتصال وراديو ورادار يتم من خلالها مراقبة مسالك العبور في البحر الأبيض المتوسط. إذن مثلت بذلك قاعدة بنزرت لدى الفرنسيين مركز قيادة في شمال إفريقيا نحو الشرق، وكذلك محطة خدماتية للسفن الكبيرة للتزود بالذخيرة وبالوقود.
– ومن هذا المنطلق أرسل ديغول رسالة شفوية الى بورقيبة مفادها أن “فرنسا ليست مستعدة للتنازل عن بنزرت وبهذا بدأت طبول الحرب تدق.
– ففي ليلة 18جويلية 1961 صدرت التعليمات السرية إلى الوحدات العسكرية الفرنسية المرابطة في الجزائر وفي البحر بضرورة غزو بنزرت.
– وفي حدود الساعة الواحدة من يوم الأربعاء 19 جويلية، أعلنت الإذاعة التونسية البيان التالي: “لقد تلقت القوات المسلحة التونسية أمرا بقصف كل طائرة تخترق المجال الجوّي التونسي”. وانطلقت المعركة في ذلك اليوم بعد وصول 12 ألفا من القوات البحرية الفرنسية إلى بنزرت، وعدد كبير من قوات «اللفيف الأجنبي»، وهي فرقة مكوّنة من قوات مرتزقة من جنسيات مختلفة، كانت متواجدة بالجزائر. وبدأت طائرات «Hercule» والطائرات المقاتلة وحاملات الطائرات تصل تباعا إلى بنزرت، تنفيذا للتعليمات الداعية إلى احتلال المدينة في 3 أيام. وفتحت السماء باب الجحيم على القوات التونسية المكونة من بعض وحدات الحرس والجيش حديث التكوين، إضافة إلى تجهيزاته البسيطة، وكانت تجهيزاتها بالكاد تكفي لحفر خنادق حول بعض المواقع العسكرية لترهيب العدو.
– وبدأ الشهداء يسقطون تباعا، آلاف القنابل وصواريخ «النابالم» سقطت على رؤوس المواطنين العزل، وكان المظليون وهم ينزلون يقصفون بالبنادق الآلية والرشاشات كلّ ما يتحرك على الأرض، لا يميزون بين صغير أو كبير وشيخ أو امرأة، فسقط آلاف الشهداء والجرحى.
– لقد اعتمد الجيش الفرنسي على شبكات رهيبة من شبكات الإسناد والتموين، ومحطات رصد سمعي ولوجيستي، إضافة إلى تجهيزات مدفعية ومدرعات، وآليات مزمجرة، وطائرات حربية، وفرق مظليين تم جلبها من الجزائر، ومدافع، وبوارج بحرية بغاية إحكام السيطرة على بنزرت.
– عدم تكافئ ميزان القوى بين ثالث قوة عسكرية في العالم حينها، وبين جيش لم يمض على تكوينه أكثر من خمس سنوات، جلب الانتقادات الى خيارات الرئيس الحبيب بورقيبة، حيث اتهمه معارضوه ب”الغرور”، لعلمه المسبق بعدم تكافئ موازين القوى بين الطرفين. هذا الفعل وردّ الفعل وجب تنزيله في إطاره المحلي والإقليمي، لمحاولة فهم ملابسات المعركة.
– فقد كانت معركة بنزرت بالنسبة إلى الشعب التونسي فرصة من أجل كنس آخر بقايا الاستعمار البغيض. فمن وادي المرج، وباب ماطر، والمصيدة، وسيدي أحمد الى منزل بورقيبة، وكل شبر من الولاية، كان الاستبسال الشعبي، مدعوما بقوات الجيش والحرس الوطنيين، وكان الشهداء يتساقطون في كل لحظة حتى فاق عدد الشهداء 7000 شهيدا. وإذا كان التاريخ يكتبه المنتصرون فقد كتب تاريخ معركة بنزرت شعب تائق إلى التحرر، تاريخ كتبه الشهداء بدمائهم وتضحياتهم واستبسالهم أمام آلة القمع الفرنسية. قمع وحشي لمواطنين عزّل نقلته صحف ووكالات الأنباء الأجنبية التي غطت الحدث، فقد أفاد مراسل ال«بي.بي.سي» (M. Mahheus) أنه رأى جثثا كثيرة ممزقة ومنها جثة لامرأة بُقر بطنها ليخرج منه رضيع وقد قطع نصف رأسه”.
– كما أفادت الصحفية الفلندية “باولا بوركا”: «لقد رفعت الغطاء عن بعض الجثث لأتمكن من تصويرها وقد لاحظت أن بعضها يحمل آثار الطعن إلى جانب ثقب الرصاص.. وقد كانت أيادي بعض هؤلاء مقيّدة..كما رأيت امرأة تدفن طفلا كان صدره مهشما.. رأيت أيضا زوجين كانا محروقين بالنابالم.. إن حرب بنزرت ستظل مأساة في وجه الغرب ضد الاستعمار”.
– كما جاء في شهادة الصحفي الفرنسي “بيتشار” أنه ظل في بنزرت ليومين كاملين يعاني مما حدث وقال :”لقد رأيت جثثا كثيرة في كل مكان، ولو أمكنني المقارنة بين الهجوم على بنزرت والهجوم على بور سعيد (حيث غطى معارك العدوان الثلاثي على مصر)، لقلت إن الخسائر المادية في بورسعيد كانت أكبر ولكن الخسائر البشرية في بنزرت كانت أكبر بكثير”.
– وجاء في شهادة الدكتور البلجيكي “فان بيتر” أنه يتذكر مشهدا فظيعا لن ينساه أبدا، حيث قام الجنود الفرنسيون بقتل امرأة حامل واستخراج الجنين من بطنها ودهسه.
– إقليميا، يرى عدد من الباحثين، أن بورقيبة في معركة بنزرت كان مدفوعا بالرأي العام العربي، الذي يرى فيه رمزا للمهادنة مع المستعمر في مقارنة بالزعيم المصري جمال عبد الناصر. مقارنة طالما أزعجت الرئيس بورقيبة حيث يذكر الصحفي المصري المعاصر لتلك الحقبة، محمد حسنين هيكل أن بورقيبة قد اشتكى من أن بعض الصحف في العالم العربي تصف عبد الناصر ب”العملاق” ويرى في ذلك تعريضا به. كما كان الجزائريون غير راضين عن وجود قاعدة عسكرية في بنزرت، تكون منطلقا للغارات الفرنسية على المقاومة الجزائرية. واعتبرت جامعة الدول العربية أن استمرار تواجد القوات الفرنسية في بنزرت “خيانة”.
– جميع هذه العوامل ساهمت في دفع بورقيبة نحو اختيار طريق المواجهة مع القوات الفرنسية رغم عدم تكافئ القوى بين الطرفين.
– بقطع النظر عن دوافع السلطة السياسية في تونس، ممثلة في الرئيس بورقيبة، في خوض غمار هذه المعركة الدامية، دون التفكير في عواقبها. فان “معركة بنزرت” قد بينت قدرة الشعب التونسي على التضحية والعطاء من أجل الوطن. لقد كانت فصلا من فصول تاريخ كتبه الشهداء بدمائهم رفضا للاستعمار البغيض، وكانت ساحات مدينة بنزرت ومنزل بورقيبة، شاهدة على هذا الاستبسال البطولي لجيش محدود الامكانيات، وشعب أعزل لاسلاح له سوى عشق تراب هذا الوطن وعشق الكرامة والحرية.
منقول

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

WP Radio
WP Radio
OFFLINE LIVE